1- ان يكون الافراد بمستوى ووعي ثقافي وسياسي جيد . فعندما يواجه الشعب بمثل هكذا استحقاق يجب ان يستخدم الشعب بوعي وتعقل حتى لا يفرط بالفرصة في اشتراكه باتخاذ القرار السياسي . ويجب على الشعب في هذه المرحلة ان يترك العاطفة والمشاعر على حدة فقد تكون السلاح الذي تستخدمه جهات التأثير لتحقق ماربها البعيدة عن اهواء الشعب . ان هذا الوعي يعمل على تحصين الافراد ضد كافة المؤثرات التي قد تحيد بالاستفتاء عن الطريق الذي رسم اليه وابرز مؤثرات تكمن في الاحزاب السياسية التي قد تفعل فعلتها بالتأثير على اهواء ورغبات الفرد العادي . -
2- ان تكون هناك رقابة فاعلة من المؤسسات القضائية والمؤسسات المدنية والاجتماعية على عملية الاستفتاء وذلك في المرحلة التي تسبق يوم الاستفتاء وفي المرحلة اللاحقة وخاصة في حالة حساب الاصوات . فالرقابة قبل الاستفتاء تتركز على متابعة مدى التأثير الذي قد تمارسه سلطة ما او حزب من الاحزاب على خيارات الافراد خصوصا اذا ما علمنا ان الاحزاب لها وسائل متعددة لان تجعل من كافة الوسائل الديمقراطية مباشرة كانت ام غير مباشرة ادوات تجيرها لمصلحتها بما يزيد من اعمالها شرعية وقوة . اما عن الرقابة التي تعقب عملية الاستفتاء فيجب ان تركز المؤسسات الرقابية على مرحلة حساب الاصوات, حيث كثيرا ما تشهد هذه المرحلة حدوث حالات التزوير في حساب الاصوات بما يخدم السلطات الحاكمة . -
3- ان الاستفتاء هو احد الحقوق السياسية التي تمنح لأفراد الشعب بموجب نصوص دستورية معينة امتثالا للفكرة الاساسية في ان السلطة تكمن في السيادة الشعبية . وهذا الحق يجب ان لا يعزل عن مجمل الحقوق التي يجب الشعب في كل دولة . وبناء على ما تقدم فان من المهم جدا ان تكون هناك
ارضية مناسبة لاستخدام الشعب لمجمل الحقوق التي يتمتع بها وهذا يتحقق من خلال العمل على صيانة هذه الحقوق والحفاظ عليها وان تكون هذه الاهداف غير مقتصرة على الاستفتاء فالشعب الذي لا يؤمن بأحقيته في الحقوق الاساسية لا يمكن له ان يؤمن بذلك في حق دون الاخر .
-
ان هذه وغيرها من عوامل تساعد دون ادنى شك في ان يحقق الاستفتاء الهدف الحقيقي منه والمتمثل باشراك الشعب اشراك حقيقي في السلطة وهذا ينطبق على الدساتير العراقية وغيرها من التي تعتمد فكرة الاستفتاء بين ثنايا نصوصها .
ومع ذلك فما يهمنا هنا هو الدستور العراقي ، حيث وجدنا ان النصوص المنظمة لحالة الاستفتاء كان يعتريها احيانا بعض الغموض او النقص في التنظيم – ونقول نصوص - لان الواقع حتى الوقت الحاضر لم يشهد اجراء أي عملية استفتاء وفي أي موضوع عدا الاستفتاء الخاص بإقرار الدستور والذي يمكن ان نعيده الى احكام قانون ادارة الدولة اكثر من الدستور النافذ وفي هذا نود ان نبين الاتي :
-
1- لقد وجدنا ان جميع الاستفتاءات الواردة في الدستور هي استفتاءات موضوعية سابقة وملزمة في اتخاذ القرار الخاص بموضوع الدعوى .
ان الامر السابق يستدعي ان تكون هناك ضمانات قانونية حقيقية حتى تستطيع ان تؤدي هذه الاستفتاءات الاهداف المرجوة منها . فمثلا يجب ان تكون هناك مراجعة شاملة للنصوص المقررة للاستفتاء ، حيث وجدنا ان تلك النصوص الدستورية جاءت في الكثير من الاحيان باحكام عامة غير تفصيلية وكأن المهم فقط هو ايراد فكرة الاستفتاء فمثلا في معرض استعراض حق المحافظة في تشكيل الاقليم وجدنا ان طلب الاستفتاء قد يقدم من قبل عشر الناخبين لكن الدستور لم يحدد هل يتم الاستناد هنا الى سجل الناخبين المعتمد في اخر عملية انتخابية سواء كانت لانتخاب مجالس المحافظات ام الانتخابات البرلمانية العامة ام ان الناخبين هنا يعتمد في تحديدهم وقت تقديم الطلب خصوصا اذا ما علمنا ان سجلات الناخبين في حالة تغير وتحديث مستمر . كما اننا في هذا المجال يجب ان نذكر ان المادة (119) من الدستور التي بينت الحالة السابقة لم يرد فيها ما يفيد ارجاع تنظيم الاستفتاء وما يتعلق به الى صدور قانون ما عن السلطة التشريعية .
-
2- لاحظنا في معرض الحديث عن الاستفتاء في الدستور العراقي النافذ ان اغلب الاستفتاءات كانت تتعلق بمواضيع خاصة بالأقاليم او المحافظات غير المنتظمة بإقليم .عليه فإننا نعتقد ان الصفة المحلية للاستفتاء لا تمنع ان يكون هناك دور معين للسلطة التشريعية المركزية ولو من باب التنظيم وكان يمكن ان يمارس هذا الدور مجلس الاتحاد الذي كان من المفروض ان يتم تشكيله في الدورة الانتخابية الثانية خصوصا اذا ما علمنا ان هذا المجلس وامثاله في الدول الاخرى يكون بمثابة همزة الوصل بين المجالس المحلية والبرلمان الوطني . -
3- من المعلوم ان في العراق الان توجد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والتي نصت على تشكيلها المادة (103/اولا) من الدستور . وعند الرجوع الى القانون الخاص بالمفوضية نجد انها مسؤولة عن اجراء الانتخابات والاستفتاءات العامة (الاتحادية) والمحلية في الدولة وقد فصلت ذلك المادة الثانية من القانون المذكور . لكننا نلاحظ ان هذا القانون تعامل مع الاستفتاء بدرجة اقل من الانتخاب مع العلم ان الاستفتاء هو المظهر الحقيقي للسيادة الشعبية وقد تمثل ذلك من خلال نص المادة الرابعة في فقرتها السابعة من قانون المفوضية التي اخضعت نتائج الانتخابات البرلمانية لتصديق المحكمة الاتحادية في حين احالت الانتخابات المحلية والاستفتاءات لتصديق الجهات القضائية الاخرى الادنى درجة من المحكمة الاتحادية . لذلك يجب ان تكون الاستفتاءات وما يترتب عليها من نتائج لمراقبة واشراف وتصديق اعلى الجهات في الدولة باعتبارها ممارسة شعبية حقيقية لشؤون الحكم وان كان الاستفتاء ذو صفة محلية . -
4- لوحظ وبغرابة ان جميع انواع الاستفتاءات في الدستور العراقي عدا الاستفتاء الخاص بتعديل الدستور الذي اشارت اليه المادة (126) من الدستور , نقول ان جميع هذه الاستفتاءات لا تخضع الى تصديق أي جهة دستورية فالسيادة الشعبية تمارس وفقا لأحكام ونصوص الدستور والقوانين النافذة . فقد تكون هناك مخالفات قانونية قد رافقت عملية الاستفتاء فالمعول هنا على وجود جهة مصادقة للإقرار بصحة الاستفتاء من الناحية القانونية دون التدخل بما تمخض عن الاستفتاء من نتائج ، كما ان ذلك لا يعد في أي حال من الاحوال وسيلة للتدخل او التأثير على الانتخابات .فالتأثير يظهر كما بينا من خلال الضغط على الافراد بالدعايات الحزبية وغيرها قبل الاستفتاء وقد يظهر من خلال التزوير الذي يمكن ان يتم في حساب الاصوات وبالشكل الذي يغير فعلا من حقيقة توجه الرأي العام .
اخيرا نقول ان الاستفتاء الشعبي هو منجز كبير في الدساتير التي تنص عليه ولكن النص يبقى جسد بلا روح مالم تبث الجماعة البشرية التي نوهنا عنها في المقدمة الروح في هذا الجسد بحسن الاستعمال والاستغلال لهذا الاستحقاق الشعبي وبالشكل الذي يجعل الشعب فعلا المصدر الحقيقي للسلطات
-
ا.د. عماد الحميري
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي - دائرة البحث والتطوير - قسم التنسيق والتعاون العلمي